ابن الأثير
329
الكامل في التاريخ
ولمّا اجتمع الأشرف بالكامل استقرّ الأمر بينهما على التقدّم إلى خليج من النيل يعرف ببحر المحلّة ، فتقدّموا إليه ، فقاتلوا الفرنج ، وازدادوا قربا ، وتقدّمت شواني المسلمين من النيل ، وقاتلوا شواني الفرنج ، فأخذوا منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال ، وما فيها من الأموال والسلاح ، ففرح المسلمون بذلك ، واستبشروا ، وتفاءلوا ، وقويت نفوسهم ، واستطالوا على عدوّهم . هذا يجري والرسل متردّدة بينهم في تقرير قاعدة الصلح ، وبذل المسلمون لهم تسليم البيت المقدّس ، وعسقلان ، وطبريّة ، وصيدا ، وجبلة ، واللاذقيّة ، وجميع ما فتحه صلاح الدين من الفرنج بالسّاحل وقد تقدّم ذكره ما عدا الكرك ، ليسلّموا دمياط ، فلم يرضوا وطلبوا ثلاثمائة ألف دينار عوضا عن تخريب القدس ليعمروه بها ، فلم يتمّ بينهم أمر وقالوا : لا بدّ من الكرك . فبينما الأمر في هذا ، وهم يمتنعون ، اضطر المسلمون إلى قتالهم ، وكان الفرنج لاعتدادهم بنفوسهم [ 1 ] لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عدّة أيّام ، ظنّا منهم أنّ العساكر الإسلاميّة لا تقوم لهم ، وأنّ القرى والسواد جميعه يبقى بأيديهم ، يأخذون منه ما أرادوا من الميرة ، لأمر يريده اللَّه تعالى بهم ، فعبر طائفة من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفرنج ، ففجروا النيل ، فركب الماء أكثر تلك الأرض ، ولم يبق للفرنج جهة يسلكون [ 2 ] منها غير جهة واحدة فيها ضيق ، فنصب الكامل حينئذ الجسور على النيل ، عند أشموم ، وعبرت العساكر عليها ، فملك الطريق الّذي يسلكه الفرنج إن أرادوا العود إلى دمياط ، فلم يبق لهم خلاص . واتّفق في تلك الحال أنّه وصل إليهم مركب كبير للفرنج من أعظم المراكب يسمّى مرمّة ، وحوله عدّة حرّاقات تحميه ، والجميع مملوء من الميرة والسلاح ،
--> [ 1 ] لاقتدارهم في نفوسهم . [ 2 ] يسلكوا .